
الذاكرة هي قدرة الدماغ على حفظ المعلومات ثم استرجاعها عند الحاجة. ونحن نعتمد عليها يوميًا في أمور بسيطة ومألوفة: أين وضعنا مفاتيحنا، ما اسم حيواننا الأليف في طفولتنا، ما اسم زميل العمل أو شريكه، أو رقم هاتف منزل قديم، وغير ذلك الكثير. فالمعلومات الحالية، والتجارب الماضية، وحتى التفاصيل العشوائية — كلها محفوظة في المادة الرمادية في مكان ما داخل الدماغ.
لكن ماذا عن قططنا؟ هل تمتلك ذاكرة شبيهة بذاكرتنا؟ يبدو أن قطتي المشاغبة تتذكر جيدًا مكان وعاء الطعام والوقت المناسب لملئه! إن مجال الإدراك الحيواني يتطور باستمرار، ومع كل دراسة جديدة نكتشف حقائق ممتعة ومثيرة عن قططنا المنزلية وغيرها من الكائنات.
تابع القراءة لتتعرف على نوع المعلومات التي تتذكرها القطط بشكل أفضل (ولماذا!)، وكيف تختلف ذاكرتها عن ذاكرتنا.
أنواع الذاكرة

تستخدم القطط أنواعًا مختلفة من الذاكرة، بما في ذلك الذاكرة قصيرة المدى، والذاكرة طويلة المدى، والذاكرة الحسية، والذاكرة العرضية.
الذاكرة هي قدرة معقدة ومثيرة في عقولنا. لماذا يمكنني أن أتذكر الملابس التي ارتديتها في عيد ميلادي السادس، بينما لا أستطيع تذكر كلمة مرور لحساب أنشأته للتو؟ يعود ذلك إلى أن هناك أنواعًا مختلفة من الذاكرة، ولكل نوع مسارات خاصة في الدماغ تساعد على تنشيطه.
تتعامل الذاكرة قصيرة المدى مع الأحداث القريبة والمباشرة في حياتنا اليومية: مثل أين وضعت سترتي، أو سعر المشتريات الذي يخبرني به أمين الصندوق. وتُعرف هذه القدرة أيضًا باسم “الذاكرة العاملة”، لأنها تكون نشطة باستمرار، تعالج المعلومات وتستخدمها. لكنها لا تدوم عادةً سوى بضع ثوانٍ إلى نحو دقيقة.
أما الذاكرة الحسية فهي مرتبطة بالبيانات القادمة من بيئتنا، مثل ما نراه أو نسمعه أو نلمسه. وهي سريعة جدًا، مما يساعدنا على فهم العالم فورًا أثناء عيشنا للتجربة، لكنها تختفي بسرعة أيضًا.
وتتميز الذاكرة طويلة المدى بقدرتها على تخزين كميات كبيرة من المعلومات لفترات طويلة. بينما تعتمد الذاكرة قصيرة المدى بشكل أساسي على الفص الجبهي والفص الجداري في الدماغ، تحتاج الذاكرة طويلة المدى إلى دور الحُصين الذي يعمل على “تحويل” الذكريات إلى شكل أكثر ثباتًا حتى يمكن تخزينها. ويمكن أن تبقى هذه الذكريات محفوظة لسنوات.
أما الذاكرة العرضية فهي نوع من الذاكرة طويلة المدى، تتيح لنا تذكر أحداث معينة بتفاصيلها، مثل يوم الزفاف.
1. القطط والذاكرة قصيرة المدى

أظهرت الأبحاث أن الذاكرة العاملة لدى القطط تبدو وكأنها تتراجع بسرعة أكبر مقارنة ببعض الثدييات المنزلية الأخرى.
وقد تناولت دراسات مختلفة ومثيرة للاهتمام أنواعًا متعددة من الذاكرة عند القطط.
تم اختبار الذاكرة قصيرة المدى لدى القطط من خلال دراسة الأشياء المختفية، حيث يتم عرض شيء أمام القطط ثم إخفاؤه لفترة قصيرة قبل إعادته مرة أخرى. وقد تبين أن القطط تستطيع تذكر الشيء لمدة تصل إلى 60 ثانية بعد إخفائه، رغم أن دقتها تبدأ بالانخفاض سريعًا خلال أول 30 ثانية.
ولم يظهر اختلاف كبير حتى عندما وُضعت أدلة حول الأشياء، مما يشير إلى أن ذاكرتهم العاملة قد تتدهور بسرعة أكبر من ثدييات منزلية أخرى مثل الكلاب. وربما يعود ذلك إلى أن القطط تعتمد بشكل كبير على الذاكرة الحسية السريعة جدًا، خصوصًا أثناء الصيد، إذ تحتاج إلى تحليل البيئة المحيطة بسرعة ثم الانتقال فورًا إلى موقع آخر.
حتى الأفعال اليومية البسيطة تتطلب استخدام الذاكرة. فالمشي، على سبيل المثال، يعتمد على الذاكرة قصيرة المدى والذاكرة الحسية: إذ ينظر البشر عادة إلى الأشياء الموجودة على الأرض قبل خطوة أو خطوتين، ثم يعتمدون على ذاكرتهم قصيرة المدى لتجاوز العائق حتى دون النظر إليه بشكل مباشر طوال الوقت.
وتقوم القطط بالأمر نفسه أيضًا، فقد وُجد أنها تنظر إلى ما هو أبعد من المكان الذي تمشي فيه بعدة خطوات. ومع ذلك، فإن القطط تطور أيضًا ذكريات طويلة المدى من خلال تقييم بيئتها بصريًا وتخزين تفاصيلها.
2. القطط والذاكرة طويلة المدى

القطط تتعرف على الوجوه البشرية بدرجة أقل مقارنة بالكلاب، لكن التفاعل المباشر والمستمر مع شخص ما قد يساعد على تكوين ذكرى طويلة الأمد.
ويمكننا تقسيم الطرق التي تستخدم بها القطط الذاكرة طويلة المدى إلى عدة فئات:
- الذاكرة المكانية: وهي الطريقة التي تتذكر بها القطط بيئتها المحيطة. فالقطط بارعة في تجاوز العقبات والتسلق بسهولة ومهارة. وهذا النوع من الذاكرة يفسر قدرتها على تذكر مكان وعاء الطعام أو سريرها المفضل.
- الذاكرة الضمنية: وهي ذكريات يبدو أنها تُكتسب بشكل غريزي أو من خلال التفاعلات المبكرة مع القطط الأخرى في الصغر، وتشمل سلوكيات مثل الصيد وتنظيف نفسها.
- الذاكرة الصريحة: وهي ذكريات يتم استحضارها بشكل أكثر قصدًا، مثل تذكر أي فرد من أفراد الأسرة تفضل النوم بجانبه، أو معرفة الطريق إلى المنزل، أو التعرف على قطة منافسة.
- الذاكرة البصرية: غالبًا ما تكون أضعف لدى القطط، فقد ثبت أنها تتعرف على الوجوه البشرية بدرجة أقل من الكلاب. ومع ذلك، فإن التفاعل المباشر والمطول مع شيء أو كائن قد يؤدي إلى تكوين ذاكرة أكثر ثباتًا واستمرارًا.
وقد أظهرت الدراسات أن القطط تمتلك ذاكرة عرضية، حيث يمكنها تذكر “ماذا” و”أين” عند السماح لها بفحص حاويات الطعام. كما ظهرت نتائج مشابهة لدى الكلاب، ويُعتقد أن الطعام يعد محفزًا قويًا للذاكرة لأنه عنصر أساسي للبقاء والحياة.
ما الذي يثير ذكريات القطط؟

الذاكرة الطويلة الأمد لدى القطط قد تجعلها تحتفظ بتجاربها لفترة طويلة، وربما يؤدي ذلك أحيانًا إلى ما يشبه حمل الضغائن!
تميل ذكريات القطط إلى التشكل في نوعين من الظروف. أولًا، من المرجح أن تتكون الذكريات عندما ترتبط بشيء مهم جدًا بالنسبة لقطتك. فالأمور مثل الطعام والماء وقضاء الحاجة والصيد والنوم واللعب والرفاق المرتبطين بها كلها عناصر أساسية في حياة القطط. ولهذا السبب تتذكر قطتك مكان صندوق الفضلات، والوقت والمكان الذي يقدم فيه الطعام، كما تستطيع التعرف على أفراد الأسرة بسهولة.
ثانيًا، يمكن أن تتشكل الذكريات أيضًا بفعل المشاعر القوية، مثل الخوف أو السعادة. فقد ترتبط قطتك بجزء معين من الحديقة إذا مرت بتجربة سلبية هناك، مثل شجار مع قطة أخرى.
وهكذا، قد تجعل ذاكرة القطط الطويلة الأمد قطتك تتصرف وكأنها تحمل ضغينة تجاه مكان أو موقف معين. ولكن من الجانب الإيجابي، قد تنتظرك قطتك بجوار كرسيك المفضل لأنها استمتعت كثيرًا بالجلوس معك هناك من قبل.
اقرأ أيضًا: لماذا تتجاهلني قطتي؟
هل تعاني القطط من فقدان الذاكرة؟

يمكن لبعض الحالات الطبية، ومنها الخلل الإدراكي لدى القطط، أن تؤثر في قدراتها الذهنية مثل الإدراك، ومهارات حل المشكلات، والذاكرة.
وقد أظهرت الدراسات أن الذاكرة قد تضعف مع التقدم في العمر لدى بعض الأنواع. لكن على عكس حيوانات أخرى مثل الكلاب، يبدو أن قدرة القطط على العثور على الطعام اعتمادًا على ذاكرتها لا تتراجع بنفس الدرجة مع التقدم في السن.
ومع ذلك، قد تعاني القطط الأكبر عمرًا من مشكلات صحية تؤثر في خلايا الدماغ، مما ينعكس على إدراكها وقدرتها على التفكير وحل المشكلات وقوة ذاكرتها. ويُعد الخلل الإدراكي لدى القطط حالة تشبه إلى حد ما مرض الزهايمر عند البشر، حيث يؤثر في دماغ القطط ويسبب مجموعة من الأعراض المختلفة.
وقد تشمل هذه التغيرات فقدانًا ملحوظًا للذاكرة، مثل نسيان مكان أوعية الطعام، أو تغيرات في تفاعلها مع الأشخاص أو الحيوانات القريبة منها، إضافة إلى اضطرابات في دورات النوم والاستيقاظ.
اقرأ أيضًا: الخرف عند القطط: الأعراض والتشخيص والعلاج
-
فيسيت، س. ودوري، ف. (2005) "مدة عمل القطط ( Felis catus ) للذاكرة العاملة للأشياء المختفية". الإدراك الحيواني ، المجلد 9، ص 62-70
-
McCune, S., Stevenson, J., Fretwell, L., Thompson, A. & Mills, D. (2008) "الشيخوخة لا تؤثر بشكل كبير على الأداء في مهمة التعلم المكاني في القطط المنزلية ( Felis silvestrus catus )" App An Behav Sci 112(3-4) ص 345-356
-
McVea, D. & Pearson, K. (2007) "الخطوات بالأرجل الأمامية فوق العوائق تؤسس لذكريات طويلة الأمد لدى القطط." علم الأحياء الحالي 17(16) ص 621-623
-
تاكاجي، س.، تسوزوكي، م.، تشيجيوا، هـ.، أراهوري، م.، وواتانابي، أ. (2017) "استخدام الذاكرة المشفرة عرضيًا من تجربة واحدة في القطط". العمليات السلوكية 141 (3) ص 267-272







